برنامج معتمد من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي

تقنية الإحالة(preference) في النص القرآني

تقنية الإحالة(preference) في النص القرآني

أ.د. عبدالله خضر

عضو الهيئة التدريسية في الأكاديمية العربية الدولية

تعد الإحالة من أكثر الظواهر اللغوية انتشارا في النصوص ، فلا تكاد تخلو منها جملة أو نص ، ذلك أن أدواتها تشكل جسورا للربط بين أجزاء النص ، وتقدم على التحكم في الرسالة المبثوثة مجبرة المتلقي على التنقل في فضاء النص لفك شفرات هذه الرسالة.

والإحالة لغة مصدر الفعل أحال. ويحمل هذا الفعل معنى عاما هو التغير والتحول ، ونقل الشيء إلى الشيء ، ففي لسان العرب = أحال الرجل يحول مثل تحول من موضع إلى موضع ، وحال الشيء نفسه يحول حولا بمعنيين: يكون تغيرا ويكون تحولا ، وحال فلان عن العهد أي زال (..)  وفي الحديث: من أحال دخل الجنة يريد من اسلم ، لأنه تحول عما كان يعبد إلى الإسلام([1]).

أما في الدراسات النصية فتعّرف الإحالة بأنها العلاقة القائمة بين الأسماء، والمسميات، فالأسماء تحيل إلى المسميات وهي علاقة دلالية تخضع لقيد أساسي ، وهو وجوب تطابق الخصائص الدلالية بين العنصرالمحيل، والعنصر المحال إليه ([2]).

وبهذا فإن الإحالة هي العلاقة بين العبارات والأشياء والأحداث والمواقف في العالم الذي يدل عليه بالعبارات ذات الطابع البدائلي في نص ما، إذ تشير إلى شيء ينتمي إلى نفس عالم النص([3])، ومن هنا نجد المعنى اللغوي العام للإحالة ليس بعيدا عن الاستخدام الدلالي لها، فهي عبارة عن علاقة قائمة بين عنصرين، يتم من خلالها التحول من عنصر إلى آخر، وبالتالي الانتقال بذهن المتلقي في فضاء النص، وذلك بدفعه إما إلى الأمام أو إلى الخلف داخل النص كما يمكن أن يكون الانتقال إلى خارج النص.

كما أن العناصر الاحالية يعرفها “الأزهر الزناد”:”تطلق على قسم من الألفاظ لا تملك دلالة مستقلة،بل تعود على عنصر أو عناصر أخرى مذكورة في أجزاء أخرى من الخطاب،فشرط وجودها قائم على النص كما انها تقوم على مبدأ التماثل بين ما سبق ذكره في مقام،وبين ما هو مذكور بعد ذلك في مقام آخر،والتعريف الأكثر شمولا ودقة هو:”أن الإحالة ليست شيئا يقوم به تعبير ما،ولكنها شيء يمكن أن يحيل عليه شخص ما باستعماله تعبيرا معينا”([4]).

وتتجسد الإحالة بتضافر مجموعة من العناصر هي([5]):

المتكلم أو الكاتب: وبقصده المعنوي تتم الإحالة ، فهي ليست من خواص التعبيرات اللغوية بمفردها ، وإنما هي عمل إنساني.

اللفظ المحيل أو العنصر الإحالي: وهو كل مكون يحتاج في فهمه إلى مكون آخر يفسره ، ومن المحيلات: الضمائر ، أسماء الإشارة ، أدوات المقارنةالتعريف أو (التحديد) .

المحال إليه أو العنصر الإشاري: يسمى أيضا (عنصر علاقة) ، وهو المفسر أو العائد إليه ، ويوجد إما داخل النص أو خارجه ، وتمثله إما كلمات أو عبارات أو دلالات.

العلاقة بين المحيل والمحال إليه: تربط بينهما علاقة ينبغي أن تتسم بالتوافق والانسجام.

وقد استعمل الباحثان (هاليداي) و(رقية حسن) مصطلح الإحالة استعمالاً خاصا، وهو أن العناصر المحيلة كيفما كان نوعها لا تكتفي بذاتها من حيث التأويل ، إذ لابد من العودة إلى ما تشير إليه من أجل تأويلها ، وكما تتوفر كل لغة طبيعية على عناصر تملك خاصية الإحالة وهي: الضمائر ، وأسماء الإشارة وأدوات المقارنة([6]).

وتنقسم الإحالة إلى نوعين رئيسيين :

أ-الإحالة المقامية     ب-والإحالة النصية

وتتفرع الثانية إلى :

1-إحالة قبلية      2-إحالة بعدية

وفيما يلي رسم يوضح هذا التقسيم :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وتنقسم الضمائر إلى وجودية مثل : أنا ، أنت ، نحن ، هو ، هم ، هن … إلخ ، وإلى ضمائر ملكية مثل كتابي ، كتابك ، كتابهم ، كتابه … إلخ… أما الإشاريات فهناك عدة إمكانيات لتصنيفها ، إما حسب الظرفية الزمانية (الآن – غدا( ، والمكانية ( هنا ، هناك )، أو حسب الحياد ( التعريف )، أو الانتقاء ( هذا ، هؤلاء ) ، أو البعد(ذاك ، تلك ) ، والقرب ( هذه ، هذا).

وقد ذكر العالماء نوعا ثالثا من الاحالة ألا وهو (المقارنة) وتنقسم إلى: عامة، ويتفرع منها التطابق والتشابه والاختلاف، وخاصة وتتفرع إلى كمية ، وكيفية (أجمل من ، جميل مثل )([7]).

كما ويعد التعريف من أنواع الإحالة ، ويمكن أن ” يشمل أي عنصر من عناصر عالم النص في نطاق دلالي مربوط بمركز الضبط، ونموذجه قول الشاعر:

و تلفتت عيني فمذ غربت      عني الديار تلفت القلب

فالقلب ذو صلة نموذجية بمركز الضبط وهو المتكلم ، لأن كل إنسان له قلب ، ولذا لايقال هنا مثلاً “: تلفت الولد” ، إلا أن يكون قد سبق ذكره بخلاف القلب، وتعريف ( القلب ) أدى إلى هذا الترابط فالمتكلم ( الشاعر ) ذكر في البيت (عيني – عني ) ، فلابد أن تكون كلمة القلب مساوية لكلمة ( قلبي) ، ليتم الترابط بين آخر البيت وأوله ، لأن دلالاته تعود على شخص واحد هو المتكلم ، ويمكن أن يتم داخل هذا المفهوم الترابطي ما يتصل بما ذكر من معلومات مشتركة بين طرفي الاتصال ) العهد الذكري (، وما عهد بينهما ) العهد الذهني ( ، والعناصر المعروفة بالتفرد مثل : الشمس و القمر ، وما ينتمي إلى النظام العام مثل الرئيس والشرطة … إلخ ، مما يدل على أهمية الترابط المفهومي بين أجزاء النص ، من خلال الإطار المعرفي المشترك أو المذكور من قبل”([8]).

أما عن المدى في الإحالة فهو نوعان([9]):

1-إحالة ذات مدى قريب : وتجري في مستوى الجملة الواحدة ، حيث لا توجد فواصل تركيبية جملية

2-إحالة ذات مدى بعيد : وهي تجري بين الجمل المتصلة أو المتباعدة في فضاء النص، وهي تتجاوز الفواصل و الحدود التركيبية القائمة بين الجمل.

وعموما فإن الإحالة تنقسم الى نوعين رئيسيين:

أ-إحالة داخل النص،أو داخل (اللغة) Endaphara:

وتسمى النصية Textual ،وهي تنقسم إلى:

1-إحالة على السابق،أو إحالة بالعودة: وتسمى قبلية Anaphora وهي تعود على مفسر سبق التلفظ به،وهي أكثر الأنواع دورانا في الكلام.

2-إحالة على اللاحق: وتسمى بعدية Cataphora،وهي تعود على عنصر اشاري مذكور بعدها 1 في النص ولاحق عليها([10]).

ومن نماذج الاحالة (القبلية) قوله تعالى:

[اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ] {السجدة:4-9}

عندما نتأمل النص القرآني السابق نجد أن لفظة الجلالة (الله) في أوله هو المحال عليه،وقد ارتبط أول النص بمجموعة من الإحالات المتنوعة أولها وأكثرها الضمائر –بارزة أو مستترة_ كما في (خلق- استوى- دونه-يدبر-أحسن خلقه- بدأ- جعل-سواه-نفخ).

ثانيها: أسماء لإشارة في (ذلك عالم الغيب) إشارة إلى الله.

ثالثها:اسماء الموصول في (الذي أحسن)وهذه الإحالات المتنوعة جعلت الآيات الكريمة على قدر كبير من الترابط النصي.

ونذكر في الاحالة المقامية قوله تعالى:

[فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكَافِرِينَ] {الحاقَّة:38-50}

نلحظ من الآيات السابقة أن تحديد المحال إليه في الضمائر الواردة يحتاج النظر خارج النص القرآني نفسه،والتحديد يكون من المقام،أو السياق ،أو المعارف السابقةكما يلي: إنه أي القرآن الكريم-وما هو أي القرآن نفسه- ولو تقول أي محمد (صلى الله عليه وسلم) (على رأي بعض المفسرين) فما منكم أي الذين يعارضون.

ويرتبط ضمير الشأن ،وأسماء الإشارة الواردة في أول النصوص بعنصر غير لغوي من الإحالات تلك الإحالات المقامية([11]).

ومن الاحالة كذلك، قوله تعالى:

[وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] {الأنعام:53}

ففي هذه الآيات نجد أن (ذلك) تحيل إلى الابتلاء الذي ابتلي به الناس الأغنياء، والشرفاء من جهة،والفقراء من جهة ثانية، والإشارة تحيل إلى قوله تعالى:[وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] {الأنعام:52}، فالسياق- هنا- يشير إلى طلب المشركين من النبي صلى االله عليه وسلم أن يجعل لهم مجلسا خاصا لا يخالطهم فيه الفقراء والضعفاء([12]).

ومنه قوله تعالى:

[وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ] {الأنعام:75}

إن الإشارة في هذه الآية الكريمة تربط بين ما رآه إبراهيم عليه السلام من قبح عبادة الأصنام،وبين رؤيته ملكوت السموات والأرض.

([1])أبو الفضل محمد بن مكرم ابن منظور ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط4 ، 2005 ، ص187روبرت دي بوجرائد ، النص والخطاب والإجراءت: تمام حسان ، عالم الكتب ، ط1 ، 1998 ، ص320.

([2]):ينظر نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي،أحمدعفيفي،مكتبة زھراء الشرق القاھرة،ط1، ص 2001م ،ص 116.

([3])ينظر: أحمد عفيفي ، الإحالة في نحو النص ، كلية دار العلوم ، القاهرة ، د ط ، دت ، ص16 ، وينظر: روبرت دي بوجرائد ، النص والخطاب والإجراء ، ص173.

([4]):ينظر لسانيات النص،مدخل إلى انسجام الخطاب،محمدخطابي،المركز الثقافي العربي،المغرب،ط2، س 2006، ص16-17.

([5])محمد خطابي ، لسانيات النص (مدخل إلى انسحام الخطاب) ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط2 ، 2006 ، ض17.

([6]):ينظر لسانيات النص،مدخل إلى انسجام الخطاب،محمدخطابي،المركز الثقافي العربي،المغرب،ط2، س 2006، ص 18.

([7])ينظر محمد خطابي : لسانيات النص ص .١٧

([8])أحمد عفيفي : نحو النص . صـ ١١٤ـ ١١٥

([9])الأزهر الزناد : نسيج النص . ص ١٢٣ـ١٢٤

([10]):نحو النص،اتجاه جديد في الدرس النحوي،أحمدعفيفي،ص 117.

([11]) ينظر:نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي،أحمد عفيفي، ص122

([12]) ينظر:الترابط النصي في ضوء التحليل اللساني للخطاب،خليل بن ياسر البطاشي، ص 176

Loading...