برنامج معتمد من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي

منهج “التفكيكية” في النقد الأدبي

منهج “التفكيكية” في النقد الأدبي

أ. د. عبدالله خضر

عضو الهيئة التدريسية في الاكاديمية العربية الدولية

ظهرت التفكيكية مع جاك ديريدا كرد فعل على البنيوية اللسانية، وهيمنة السيميوطيقا على الحقل الثقافي الغربي، ويعني هذا أن التفكيكية – حسب جاك ديريدا – فلسفة التقويض الهادف، والبناء الإيجابي، جاءت لتعيد النظر في فلسفات البنيات والثوابت، كالعقل، واللغة، والهوية، والأصل، والصوت، وغيرها من المفاهيم التي هيمنت على التفكير الفلسفي الغربي، أو جاءت لتنتقد المقولات المركزية التي ورثها الفكر الغربي من عهد أفلاطون إلى الستينيات من القرن العشرين، فترة ظهور التفكيكية مع جاك ديريدا[1].

هذا وإذا كانت التفكيكية قد اتخذت منحى فلسفيا في الغرب مع جاك ديريدا، ومع مجموعة من الفلاسفة الأوروبيين، فإن التفكيكية قد اتخذت منحى أدبيا في القراءة والتأويل في الثقافة الأنجلوسكسونية، حيث سخرت كل أدواتها من أجل تفكيك النقد الجديد (New Criticism).

        وقد استعمل جاك دريدا (Jack derrida) مصطلح (التفكيك/déconstruction ) لأول مرة في كتابه (علم الكتابة/ الغراماتولوجيا/ De la grammatologie)، مـتأثرا في ذلك بمصطلح التفكيك لدى مارتن هايدجر (Heidegger) الذي شغله في كتابه( الكينونة والزمان)، وليس التفكيك عند جاك ديريدا بالمفهوم السلبي للكلمة، حيث ترد كلمة التفكيك في القواميس الفرنسية بمعنى الهدم والتخريب، لكن ترد في كتابات جاك ديريدا بالمعنى الإيجابي للكلمة بالمفهوم الهيدجري.أي: ترد كلمة التفكيك من أجل إعادة البناء والتركيب، وتصحيح المفاهيم، وتقويض المقولات المركزية، وتعرية الفلسفة الغربية التي مجدت لقرون طوال مفاهيم مركزية، كالعقل، والوعي، والبنية، والمركز، والنظام، والصوت، والانسجام… في حين، إن الواقع قائم على الاختلاف، والتلاشي، والتقويض، والتفكك، وتشعب المعاني، وتعدد المتناقضات، وكثرة الصراعات التراتبية والطبقية. ويعني هذا أن دريدا يعيد النظر، عبر مصطلح التفكيك، في مجموعة من المفاهيم التي قامت عليها الأنطولوجيا والميتافيزيقا الغربية تثويرا وتقويضا وتفجيرا. وهكذا، فمصطلح التفكيك ليس بمعنى الهدم السلبي، وليس بمعنى النفي أو الرفض أو التقويض والإنكار كما في فلسفة نيتشه، بل بمعنى إعادة البناء والتركيب، وتصحيح الأخطاء، وفضح الأوهام السائدة.

وهنا، لابد من الاشارة الى ان التفكيكية في البنيوية والسيميائية، ليس بمعنى التفكيك في فلسفة ديريدا، فلا يراد من التفكيك البنيوي والسيميائي  سوى تشريح النص، وتحديد بنياته العميقة، واستخلاص القواعد المجردة والثنائيات المنطقية التي تتحكم في توليد النصوص اللامتناهية العدد بالاحتكام إلى العقل والمنطق واللغة. بيد أن تفكيك ديريدا هو تشريح للنصوص من أجل هدم المقولات الثابتة، وتقويض البنيات الثنائية، والتشكيك في فعاليتها الفلسفية والإجرائية. بمعنى أن التفكيك البنيوي والسيميائي تفكيك إيجابي ومنهجي ومجد في قراءة النصوص الفلسفية والأدبية، وطريقة عامة لفهم الخطاب وتفسيره علميا، بينما تفكيك ديريدا تفكيك سلبي يقوم على التضاد والاختلاف، وهدم تلك الثوابت البنيوية تشكيكا وفضحا وتعرية لأوهامها الإيديولوجية بالمفهوم السلبي والعدمي للتقويض والتفكيك. ومن ثم، ففلسفة جاك ديريدا في مجال التفكيك قريبة جدا، بشكل من الأشكال، من فلسفة النفي لدى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه(Friedrich Wilhelm Nietzsch).

ومن المعلوم أن التفكيكية تيار فلسفي وأدبي ظهر في ستينيات القرن العشرين، وهي منهجية لمقاربة الظواهر الفلسفية والتاريخية والأدبية تشريحا وتفكيكا وتقويضا. وقد ارتبطت التفكيكية بالفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا(Jacques Derrida)[2] الذي تأثر بهايدجر(Heidegger)، وهوسرل(Edmund Husserl )، ونيتشه(Neitsze). كما اقترنت التفكيكية بتشريح اللغة والفلسفة والنصوص الأدبية. بمعنى أن جاك ديريدا قد تسلح بالتفكيكية لتقويض المقولات المركزية للسانيين، وإعادة النظر في ثنائياتهم المزدوجة كالدال والمدلول، والصوت والكتابة، والسانكرونية والدياكرونية، واللغة والكلام، والتضمين والتعيين، والمحور الاستبدالي والمحور التركيبي…

هذا، ومن أهم الكتب التي ألفها جاك ديريدا لعرض نظريته التفكيكية، نذكر منها( علم الكتابة)، و( الكتابة والاختلاف)، و(الصوت والظاهر (الفينومين”، وقد صدرت هذه الكتب الثلاثة سنة 1967م، وقد أعقبها كتاب آخر ألف سنة 1969م، وهو(التشتيت) (La dissemination)، وعليه، فقد قوض جاك دريدا فلسفة الدال الصوتي الذي هيمن لسانيا على الثقافة الغربية لقرون عدة،  منذ أفلاطون إلى فرديناند دي سوسير، ليعوض بالدال الكتابي، وآثاره الباقية، وأطراسه الناسخة. ويعني هذا كله أن فلسفة الدال التي هيمنت على ثقافة الغرب كانت بمثابة ميتافيزيقا مثالية ليس إلا. ومن هنا، يشكل الصوت الحضور والوجود والكينونة الأنطولوجية.أي: رمز تواجد الجسد، وحضور المتكلمين في الزمان والمكان، وعلامة على حضور الوظيفة التواصلية، والمقصدية التداولية، وتعبير عن الوعي والتفكير والروح. وبتعبير آخر، الصوت إشارة إلى  حضور الذات، والغير، والمادة، والمعنى، والوعي. بينما الكتابة ليست أداة للتعبير عن الفكر، لكنها علامة العلامة، ويتموقع خارج الكلام الحي المرتبط بالمتكلم والسامع. علاوة على ذلك، فقد قوض جاك دريدا الصوت والدال الكلامي، وأعطى الأسبقية للكتابة على الصوت. إنها مقاربة منطقية جديدة للإضافة. ومن ثم، تحيل الكتابة على مؤسسة، ونظام مستمر الذي يعد شبكة من الاختلافات. وبهذا، يكون المدلول جماع مجموعة من الاختلافات، وهلم جرا. بمعنى ليس هناك مدلول واحد، بل مدلولات متعددة ومختلفة. أي: ليست هناك دلالة أحادية، بل هناك اختلافات الاختلافات، وآثار الكتابة، وبصماتها الباقية.

ولقد انتقد ديريدا فكرة الكتاب التي تحيلنا على فكرة الانسجام، وفكرة الكلية العضوية المحددة، وأحادية المدلول البنيوي. ويعني هذا أن ديريدا يرفض فكرة التأويليين كبول ريكور(Paul Ricoeur) مثلا، فيعتبر أن الكتاب الحقيقي هو الذي لايرتبط بمبدعه أو مؤلفه أو كاتبه، أو لايحمل هويته الفردية أو الإبداعية، بل الكتاب الحقيقي هو الذي تنعدم فيه الكلية، وتغيب فيه الدلالة، وتكثر فيه الاختلافات وعلامات العلامات.

فالتفكيكية إذن ظهرت في إطار خطاب ما بعد حداثي متشكك إزاء التاريخ الكوني، ونقصد بذلك التاريخ الذي اكتشف وجود شعوب بلا تاريخ، كما يبدي تشككاً إزاء الحكايات الغربية التي خدمت الإمبريالية، كما يميل إلى ثقافات الأطراف التي أخرسها المركز حين أخرس تواريخ تطرح رؤية للعالم لا تتطابق مع رؤية الغرب[3].

بناءً على ما تقدم، فقد يبدو للعالم بأسره أن التفكيك يحمل رسالة إنسانية من خلال النظرية النقدية التي تبناها، ودعا فيها إلى محاربة المفاهيم القمعية ، وكلنا يدرك أهمية نجاح الأطراف في حيازة خطاب ثقافي وطني على صعيد عالمي. من هنا يأتي الحديث عن التفكيكية باعتبارها مكتسباً نقدياً يعكس بشكل مباشر حق الإنسان في الاختلاف، وفي التعبير الحر عن هذا الاختلاف، في ما يمكن أن يسمى (تعددية التأويل) وفق بول ريكور[4].

إلا أن هذا الانفتاح اللانهائي المنكر للحد والحدود، والذي يجعل النص قابلاً للتأويل المستمر قد لا يجد له مناخاً مناسباً في المزاج العربي، فالبعض يتصدى للتفكيكية باعتبارها دعوة إلى السيولة والتسيب الفكري[5] يعكسان رغبة في نفي التعميمات والقوانين العامة وإثارة الشك في المعتقدات، وآنئذ يصبح القول بتعدد التفسيرات بصورة لا نهائية معضلة أمام بعض النصوص الثقافية العربية الدينية، ذلك أن التفكيكي” يحرق ويسلم لرياح النقد السوداء الكثير مما يعتبر عادة مقدساً، ويخلف وراءه قدراً كبيراً من كنوز الماضي، وقد لحق بهما سوء السمعة”[6].

من هنا نصل إلى القول: إن التفكيك يقتضي رغبة ملحة في التعددية الفكرية والمذهبية. فمن وجهة نظر معينة ضمن مزاج تاريخي وثقافي معين ينظر إلى التفكيك باعتباره رسالة إنسانية تحارب المفاهيم القمعية وتتصدى لها، ومن وجهة نظر أخرى فقد ينظر إليه باعتباره مدمراً للتقاليد وثورة عليها.

عموماً يأتي التفكيك – بما يحمله من مفهوم الاختلاف الجامع بين الاختلاف والإرجاء – أداة منهجية لتقويض التمركز المنطقي في الفلسفة الأوروبية منذ اليونانيين[7]، في وقت نجد فيه من يقول: “إن التاريخ العقلاني للحضارة الغربية يجعلها مهيأة لما يسميه بالغزو التقويضي”[8]. فللتفكيكية بعد سياسي في التاريخ الأوروبي الحديث يتماشى مع توجهات شمولية جديدة ضد الفاشية والنازية، وهي توجهات وجدت قبولاً لدى مناهضي المحرقة اليهودية المزعومة، الذين سعوا إلى تأصيل الاختلاف، أو جعله الأصل أو المتن، بدلاً من أن يكون الهامش[9].

ولعل تأملات سعد البازعي في الصلة اليهودية بالتقويضية، تدعم إلى حد كبير مقولة الخصوصية الحضارية للنظرية النقدية، وهي تأملات ذهبت به إلى القول إن التقويض هو محصلة نقدية فلسفية للتراث التفسيري للتوراة، أو هو رؤية دينية عقلانية أو لا دينية للعالم، تنتهي إلى ما يسميه دريدا (لعب التفسير) أو عدم ثباته في مرجعية الحقيقة أو المعنى المتفق عليه.

الأمر الذي يستند فيه البازعي إلى دراسات بعض المتخصصين في الدراسات العبرية، ومنهم سوزان هاندلمان التي تؤكد صلة الموروث العبري بالتقويض من خلال موت الإله، بمعنى أن الإله اليهودي منسحب وغائب عكس آلهة الإغريق الحاضرة، وبالتالي يتحول شعب الله إلى شعب الكتاب أثناء المدة الفاصلة بين النفي وعودة المسيح[10].

قد تشكل هذه المسألة عائقاً نفسياً بيننا وبين التفكيك[11]، لكن هذا لا يمنع من القول إن التفكيكية – في بعض نواحيها – مكتسب نقدي لا يلتقي مع غايات الغرب في جانبه القمعي الاستعماري، أو نظامه الذي تأسس على محو صورة الإنسان العادي، وعلى حساب الإنسان الفقير المهمش.

وقد يبدو مصطلح التفكيكية Deconstruction مضلّلاً في دلالته المباشرة، حتى إن دريدا نفسه شكا من ترجمته إلى اللغات الأخرى ، إلا أنه ثرّ في دلالته الفكرية ، لأنه يدل في مستواه الدلالي العميق على تفكيك الخطابات والنظم الفكرية، وإعادة قراءتها بحسب عناصرها ، والاستغراق فيها وصولاً إلى الإلمام بالبؤر الأساسية المطمورة فيها([12])، وتسعى التفكيكية إلى تعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة واستحضار المغيب بحثاً عن تخصيب مستمر للمدلول على وفق تعدّد قراءات الدال ، مما يفضي إلى متوالية لا نهائية من الدلالات . ومثلما أكّد الناقد التفكيكي الأمريكي بول دي مان Paul de man على انتهاء عصر تسلط العمل الأدبي ، وبدْء عصر جديد هو عصر سلطة القارىء، فقد نظرت التفكيكية إلى الخطاب بوصفه نظاماً غير منجز إلا في مستواه الملفوظ ، أي في التمظهر الخطي الذي قوامه الدوال ، لتعني بذلك أن الخطاب يُنتج باستمرار ولا يتوقف بموت كاتبه . ولهذا دعت التفكيكية إلى الكتابة بدل الكلام ، لانطواء الأولى على صيرورة البقاء بغياب المنتج الأول ، في حين يتعذر ذلك بالنسبة للكلام ، إلا في نطاق محدود جداً. لقد خلص ديريدا بعد دراسته التفكيكية لمحاورة أفلاطـون فـي ” فيدروس” إلى أنه إذا كان الكلام إطاراً للحضور والهوية والوحدة والبداهة ، فإن الكتابة إطار للغياب والاختلاف والتعدد والتباين([13]).

([1])-Christopher Norris: Deconstruction: Theory and Practice, Routledge, London NewYork, 2édition 1991, p: 2.

([2]) – ألف جاك ديريدا مجموعة من الكتب حول النظرية التفكيكية، منها:

  • De la grammatologie,Paris,Minuit,1967.
  • L’écriture et la différence,Paris,Seuil,1967.
  • La dissèmination,Paris,Seuil,1972.
  • Marges de la philosophie,Paris,Minuit,1972.
    • Memoires for Paul de Man, New York, Columbia .Univ.Press, 1986.

([3]) حديدي، صبحي: الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة، الكرمل، ع 51، ربيع 1997، ص 59.

([4]) حافظ، صبري، أفق الخطاب النقدي، ط1، دار شرقيات، 1996، ص 39.

([5]) سليمان، نبيل، فتنة السرد والنقد، دار الحوار، 1994، ص 78.

([6]) Leitch, Vincent B.; Deconstructive Criticism: An Advanced Introduction, London: Hutchinson & Co. 1983, P 67.

وينظر حمودة، عبد العزيز، المرايا المحدبة، مرجع سابق، ص 171.

([7]) البازعي، سعد، استقبال الآخر، ص 87.

([8]) البازعي، سعد،  استقبال الآخر، ص 81.

([9]) البازعي، سعد، استقبال الاخر، ص 88.

[10] البازعي، سعد، استقبال الآخر، صفحات، 84، 85.

عبّر دريدا عن عدم ثبات التفسير في تعليقه على قصائد جابيه، ومصدرها الأرضية المشتركة لتجربة الشتات اليهودي، والرحيل الدائم نحو مكان آخر دون حلم بالعودة، أي دون حنين للمعنى والحقيقة التي تمنح الاطمئنان. ويذكر أن إيمانويل لفيناس، وهو فيلسوف فرنسي يهودي، وضع ما اعتبره النموذج اليهودي للرحيل الأفقي، مقابل النموذج اليوناني للرحيل الدائرة، أي أنه وضع أسطورة يوليسيس العائد إلى إثاكا، مقابل قصة إبراهيم مغادراً وطنه إلى الأبد، نحو أرض مجهولة.

[11] يصل البازعي إلى أن التفكيك له خصوصيته النابعة من خلفية دريدا الثقافية بوصفه يهودياً، والمعروف أنّه وقع بعض مقالاته بعبارة حاخام على نحو تحدثت عنه سوزان هاندلمان في كتابها قتلة موسى.البازعي، سعد، استقبال الآخر، ص 237.

(3) عبد الله إبراهيم وآخرون، معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة ، بيروت ، المركز الثقافي ، العربي ، 1990م، ص114 .

([13]) ينظر: دليل النظرية النقدية المعاصرة، مناهج وتيارات ، د. بســام قطّـــوس ، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها كلية الآداب – جامعة الكويت(بحث منشور في الشبكة الالكترونية: صفحة 90 وما بعدها)(بتصرف بسيط).

 

التعليقات

اترك رد