برنامج معتمد من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي

اختلال ميزان العدالة الاجتماعية في التعليم

اختلال ميزان العدالة الاجتماعية في التعليم

إن حصول كل فرد من أفراد المجتمع على حقه في تعليم عالي الجودة على نحو متساوٍ ومتكافئ بين جميع أفراد المجتمع ربما يكون أهم العوامل التي تؤدي إلى تعميق المساواة والعدالة الاجتماعية في هذا المجتمع. وعلى العكس فإن عدم تكافؤ الفرص في التعليم، ووجود مستويات وطبقات متفاوتة في جودة التعليم، يؤديان إلى التفاوت في اكتساب مهارات العمل وفي فرص الحصول على وظائف لائقة، ومن ثم فإنه يكرس اللامساواة والتمييز ويعيد إنتاج نفس النظام الطبقي المصمت. أي أن في التعليم تكمن الأزمة والحل معا، فالتعليم هو الأزمة التي تؤدي إلى اللامساواة، والتعليم هو الحل الذي يؤسس للعدالة الاجتماعية والمساواة.

ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت للحق في المساواة في التعليم مكانا رفيعا في المواثيق والاتفاقات الدولية، فنجد أن المساواة في التعليم تم تضمينها في الهدف الثالث من الأهداف التنموية للألفية الثالثة، وهو: “تحقيق المساواة في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005 وعلى كل مستويات التعليم بحلول 2015”.

كما تم التأكيد على المعنى ذاته – من قبل – في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص على حق كل فرد في التعليم المجاني الجيد الذي يؤدي إلى “تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها”.

ولقد صادقت الحكومات العربية على جميع هذه الاتفاقات والمواثيق، كما جاءت الدساتير العربية المتتالية والمتعاقبة لتبشر بالحقوق ذاتها، مؤكدة على المساواة التامة في التعليم، وتؤكد على تكافؤ الفرص وعدم التمييز.
المساواة في التعليم والمجتمعات العربية

رغم أن الحكومات العربية صادقت على جميع الاتفاقات التي تؤكد المساواة في الحق في التعليم، ورغم أن الدساتير العربية جاءت مؤكدة للحق ذاته، إلا أن واقع المجتمعات العربية يختلف تماما عن النصوص النظرية. فقد جاء في التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، الصادر عن اليونسكو 2012 ـ على سبيل المثال ـ أن معظم الأسر الغنية في العراق تتلقى تعليما، في حين أن ما نسبته 34% من الإناث في المناطق الأكثر فقرا في الجنوب، و10% من الذكور لا يتلقى نفس المستوى من التعليم. كما أنه في مصر تدفع الأسر الأغنى أربعة أضعاف الأسر الأفقر في الدروس الخصوصية. وحتى في الدول ذات المستوى الاقتصادي المرتفع، مثل قطر، يصل 35% من الفتيان والفتيات الأغنياء إلى المستوي الثاني في الرياضيات، بينما لا يصل إلى نفس المستوى سوى 15% من الفتيان الأفقر، و10% من الفتيات الأفقر.

وقد أوضح تقرير “اليونسكو” لرصد التعليم للجميع، لعام 2012-2013 العديد من الملاحظات ذات الصلة، ومن بينها العلاقة بين مستوى التعليم وبين البطالة، حيث تحصل الطبقات الأكثر فقرا على تعليم رديء لا يُكسب الطالب المهارات الكافية، مما يؤدي إما إلى البطالة أو إلى فرص عمل متواضعة ذات أجور زهيدة تكرس المزيد من الفقر الذي يتم توارثه جيلا بعد جيل في حلقة مفرغة، لا خلاص منها لأصحاب تلك الطبقة الاجتماعية. بينما على الجانب الآخر تعليم باهظ التكاليف يقوم به مدرسون وإداريون ذوو كفاءة يحصلون على رواتب مجزية، يؤدي إلى اكتساب الطلبة المهارات اللازمة لسوق العمل، ويتيح لهم فرص وظائف مرموقة ومستوى اقتصاديا عاليا، يتم توارثه أيضاً جيلا بعد جيل من نفس الطبقة الاجتماعية المرتفعة.

يوضح التقرير أنه في مصر نجد أن من لا يملكون المهارات الأساسية للعمل وصلوا إلى 54% في القطاعات الفقيرة في الحضر، بينما في الطبقات الأكثر غنى نجد أن من لا يمتلكون تلك المهارات الأساسية لا يتجاوزون 3%. وفي مقارنة للريف مع الحضر في المغرب نجد أن 76% من شباب الحضر لا يملكون المهارات الأساسية للعمل بينما كانت النسبة في الريف 90 %. وهناك جانب آخر من اللامساواة يتمثل في اختلاف النوع، فنجد أن فرصة الشباب الذين أكملوا مرحلة الدراسة الثانوية في مصر، في أن يعملوا ويكسبوا أكثر من دولارين في اليوم، هي خمسة أضعاف فرص الفتيات الحاصلات على نفس القدر من التعليم ومن نفس المستوى الاجتماعي.
تفسير تفاقم ظاهرة اللامساواة

وهنا يأتي السؤال ليفرض نفسه: كيف وصلت الدول العربية إلى هذه الحالة من اللامساواة والتمييز في مجال التعليم مخالفة لجميع المواثيق الدولية، بل لدساتيرها المحلية؟ كيف كانت سياسات هذه الدول في التعليم مخالفة لما تعهدت به أمام العالم وأمام شعوبها؟ والإجابة تكمن في ثلاث نقاط أساسية، وهي: 1) تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة. 2) تسليع التعليم. 3) رعاية الدولة وجماعات المصالح لحالة اللامساواة وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والسياسي.
1- تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة

كانت الدول العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ــ بعد حصولها على استقلالها ــ تقوم بدور أكبر في بناء العدالة الاجتماعية والمساواة، بل والتركيز على المواطنين الأكثر فقرا، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي. حرصت سياسات تلك الدول أن تحقق التنمية وتؤسس مشروعات البنية الأساسية وتعيد توزيع الدخل وتقضي على التمايز الشديد بين طبقات المجتمع. ثم مع بزوغ نجم الرأسمالية الغربية وهيمنته على معظم المنطقة، ثم استتباع ذلك بموجة العولمة في المرحلة اللاحقة كتطور طبيعي للرأسمالية، ثم ميلاد الرأسماليات العملاقة العابرة للقارات؛ مع هذه التطورات اندحرت الدولة القوية، وتراجعت حيويتها أمام مصالح هذه الشركات العالمية الكبرى.

وكان من الطبيعي أن ينتج عن تطورات الرأسمالية والعولمة هذه، أعراض جانبية وتحديات اجتماعية واقتصادية تعصف بالطبقات الأضعف والأكثر فقرا. ولم تستطع هذه الدول أن تواجه تلك التحديات، بل إنها ربما تخاذلت بشكل واضح عن دورها الاقتصادي في التنمية. أما دورها الاجتماعي فقد أوكلت معظمه إلى مؤسسات المجتمع المدني التي لم تعطها الدولة الحرية والصلاحيات اللازمة للتمكين، بل كبلتها بمركزية الدولة مما أصابها بدرجة كبيرة من العجز ومحدودية في التأثير.

وهكذا نجد أن الفقراء قد أصبحوا أكثر فقرا، والأغنياء قد أصبحوا أكثر غنى، وازداد اتساع الطبقة الفقيرة وانحسرت الطبقة الغنية، واتسعت الفجوة والتفاوت بين الطبقتين. وأصبحت الطبقات الأفقر تحصل على التعليم منخفض الجودة الذي يكرس المزيد من الفقر، بينما الطبقات الأكثر غنى تحصل علي التعليم الأعلى جودة الذي يكرّس المزيد من الغنى.

والأمثلة على التأثير الكبير لتوفير النظام التعليمي الرسمي المفتقر للجودة كثيرة ومتعددة، ولكن الإحصاءات التالية تستهدف عرض لمحة سريعة عن هذا التأثير في دولتي تونس والجزائر، ففيهما يصل قرابة 98% من الأطفال إلى الصف الرابع، ولكن الاختبارات أظهرت أن في تونس مثلا، من بين كل أربعة أطفال وصلوا إلى الصف الرابع، هناك ثلاثةٌ عاجزون عن القيام بأبسط عمليات العدّ والحساب.
2- تسليع التعليم

مع هذه التطورات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية، تحول التعليم إلى سلعة كغيره من السلع، مما أدى إلى إهدار مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، إذ لا يستطيع الحصول على التعليم كسلعة إلا من يملك الثمن.

والأخطر من ذلك، هو أن القيمة التربوية للتعليم تقلصت، إذ أصبح التعليم نوعاً من أنواع التجارة من أجل الربح. وتجلى هذا المعنى من خلال ظواهر عديدة، مثل الدروس الخصوصية، فالمعلم لم يعُد مربيا بل أصبح رجل أعمال لديه سكرتيرة ومكتب لحجز الدروس ومركز يشبه المدرسة. كما أصبح لكل مدرس “تسعيرة” حسب ذيوع صيته. وأصبح هناك مدرسون خصوصيون يحرم على الطبقات الأفقر الاقتراب من حرمهم نظرا لارتفاع أسعار السلعة التي يقدمونها.

والظاهرة الشبيهة بهذا هي ظاهرة تضخم دور القطاع الخاص في التعليم؛ سواء على مستوى المدارس أو الجامعات، وكذلك التخصصات مدفوعة الأجر في الجامعات الحكومية، بالإضافة إلى الطبقية الواضحة في مرحلة التعليم الواحدة، فنجد في مصر ــ على سبيل المثال ــ المدارس الحكومية شبه المجانية، والمدارس الحكومية التجريبية بمصروفات، والمدارس الخاصة بمستوياتها المختلفة. هذا بالإضافة إلى انتشار المدارس والجامعات الدولية التي كانت منذ عقود قليلة معدودة على أصابع اليد الواحدة، وتكاد تكون قاصرة على أبناء الجاليات الأجنبية والدبلوماسيين، لتنتشر الآن وتصبح بديلا يقدم المستوى الأكثر تكلفة لتلك السلعة المسماة “التعليم”. وأصبح هذا أيضا يؤدي إلى المزيد من تكريس اللامساواة ودخول الحلقة المفرغة للطبقية واللامساواة والتمييز وانعدام تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

وقد أفردت منظمة “اليونسكو” لهيمنة القطاع الخاص على “التعليم المبكر” في العالم العربي فقرات مفصلة. القطاع الخاص يوفر ثلثي المعروض من الحضانات ودور الرعاية. إلا أن الدولة العربية الأنجح من ناحية قدرة الحكومة على توفير الخدمة التعليمية المناسبة لمرحلة الطفوة المبكرة، كانت الجزائر، ولكن كان هذا في إطار خطة أشمل وأوسع لتطوير التعليم، ونتج عنها أن نسبة الملتحقين بالتعليم ما قبل المدرسة زادت من 2% في 1999 إلى 75% في 2011. ولكن بقي معدل الإنفاق على “تعليم ما قبل المدرسة” في الدول العربية 0.3%، ما يعني أن فرص الأسر الفقيرة سوف يبقي شبه معدوم.
3- رعاية الدولة وجماعات المصالح

لم يكتف كثير من الدول بالتراجع عن دورها الاجتماعي والاقتصادي الذي يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، بل إنها قامت بدور آخر إضافي، بشكل غير مباشر، نستطيع أن نطلق عليه: رعاية حالة اللامساواة وإعادة إنتاج النظام السائد. والدول قامت بهذا الدور بالشراكة مع جماعات المصالح وبعض رجال الأعمال وأصحاب المراكز والطبقات الاجتماعية الأعلى. هذه الرعاية تكرس احتكار المناصب الرفيعة والسلطة ورأس المال لصالح فئة اجتماعية محدودة للغاية.

وهذه الرعاية انعكست بشكل واضح على التعليم. ولعل هذا ما أشار إليه أحد الباحثين عندما أكد أن “المدرسة هي أحد أجهزة الدولة” وأن “كل محاولة للتعرف على طبيعة المؤسّسة التعليميّة ووظيفتها، لا بد أن ينطلق من معرفة علمية بطبيعة الدولة ووظيفتها”.

والحقيقة أن المدرسة ونظام التعليم ما هما إلا أداة من أهم أدوات الدولة وجماعات المصالح للمزيد من التحكم والسيطرة من أجل إعادة إنتاج النظام السياسي والاجتماعي ذاته، واحتكار فئة محدودة للمال والسلطة ومراكز التأثير.

وليس من المأمول أن يحدث أي نوع من الخلخلة للوضع الراهن إلا من خلال الوقوف أمام الاتجاهات الفكرية للتجديد والتطوير الجذري، والتفكير النقدي الذي يطرح التساؤلات ويحرك الماء الراكد، والتفكير الإبداعي والعقول المتميزة. المدرسة ونظام التعليم بصورته الراهنة أداة تكرس التخلف والقبول بالواقع تحت شعار “الاستقرار” أو أن “ما نعرفه خير مما لا نعرفه” أو أنه “ليس في الإمكان أبدع مما كان”.

والجدير بالذكر أن النظام السياسي العربي دأب في العقود الأخيرة على التركيز على المدن والمناطق الحضرية وتمييزها بمشاريع البنية التحتية، وإغفال احتياج الريف لمثلها أو لما هو أكثر منها، من صرف صحي وكهرباء وشبكة طرق واتصالات. امتد هذا الإهمال إلى قطاع التعليم في غالبية الدول العربية. و لنأخذ المغرب مثالاً للأوضاع التعليمية:
76 % من الشباب الفقراء في المناطق الحضرية لا يملكون مهارات أساسية، مقارنة مع 90 % من الفقراء في الريف. من بين كل المجموعات الاجتماعية والاقتصادية، الشابات هنّ على الأرجح الأكثر افتقارا إلى المهارات الأساسية.

ومن ناحية أخرى نجد أن الشباب من سن 15-24 في المناطق الأكثر فقراً في المغرب الذين لم يكملوا تعليمهم تصل نسبتهم إلى 83% بينما لا تتعدى هذه النسبة الـ 18% في المناطق الأكثر غنى في البلد نفسه، بحسب تقرير اليونسكو لرصد التعليم للجميع 2012 (التقرير الخاص بالدول العربية).
المنهج الخفي

هناك أمر آخر متعلق بالمناهج وطبيعتها له أبعد الأثر في تكريس الوضع الراهن، من لامساواة وانحسار فرص الطبقات الأكثر فقراً في المجتمعات العربية. وكما هو معلوم تربوياً، فإن المناهج ثلاثة أنواع:

* المنهج الرسمي (وهو الدروس الأساسية).

* المنهج غير الرسمي (وهو الأنشطة التكميلية، مثل الرحلات و الأبحاث ونوادي النشاط وغيرها).

* المنهج غير المباشر (وهو غير موجود في الدروس أو الأنشطة) ولكنه يتمثل في مناخ المدرسة العام، وسلوكيات المدرسين والإداريين، والقواعد العامة للمدرسة وللإدارة المدرسية. ومن أمثلة هذا: أن يكون المناخ العام محترماً للكرامة الإنسانية، مشجعا على الإبداع والنقد، معمقا فكرة المساواة بين الطلبة، وداعما لثقتهم بأنفسهم ومواهبهم وقدرتهم على التغيير والتنمية والنجاح. ويؤكد علماء التربية أن هذا النوع الثالث الخفي هو الأكثر تأثيرا، وأن نتائجه على حياة وسلوك الطالب أبعد أثرا من النوع الأول والثاني. وبالتالي فإن تكريس القيم السلبية التي لا تحترم الإبداع أو النقد أو الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة هو ما يعمق البلادة والركود و التخلف، ويُمكِّن المدرسة من القيام بهذا الدور في رعاية اللامساواة وإعادة إنتاج النظام. وقد اعتبر بعض المتخصصين أن العملية التعليمية في حد ذاتها “تصفية اجتماعية” بالدرجة الأولى، لأنه لا يعتبر نظاما تربويا فقط بقدر ما هو نظام اجتماعي، يعكس التقسيم الطبقي للمجتمع العربي، والمدرسة هي الأداة الرئيسية لهذه التصفية الاجتماعية الانتقائية.

وقد ألمح تقرير اليونسكو لرصد “التعليم للجميع” ( التقرير الإقليمي للعالم العربي لعام 2012) أنه برغم أن الدول العربية تخصص في المتوسط 5.5 % من ميزانياتها للتعليم إلا أن هذه النسبة لم تتغير من عام 1999 إلى 2012، فإن غالبية الأسر الفقيرة غير قادرة على تغطية التكاليف الضرورية للتعليم، خاصة عندما يكون عليها التعويض عن نوعية التعليم المتدنية.

المصدر

Loading...