“الفجوة المعرفية” ومواكبة التطور العلمي

من المشاهد في العصور الحالية تدهور العديد من البلدان النامية واخص بالذكر هنا الدول العربية من الناحية العلمية وتباعدها عن الموكب العلمي للدول التقدمة مما شكل مايعرف ب”الفجوة المعرفية”؛ ومن جانب اخر، نرى العديد من الدول التي كانت بالماضي القريب تعتبر من الدول المتخلفة حضارياً ولكنها في وقتنا المعاصر قد ارتقت وواكبت التطور العلمي للدول المتقدمة، وهنا نتسائل؟ ما السبب وراء تخلف العديد من الدول العربية؟ وكيف يمكن التغلب على الفجوة المعرفية؟

قبل الإجابة عن هذا التساؤل يجب تحديد تعريف لمصطلح المعرفة؛ يصف الدكتور إبراهيم بدران في اطروحته عن التعليم العالي والبحث والتطوير والإبداع في مجتمع المعرفة مصطلح المعرفة بأنه: ” تلك الإمكانات والخبرات الفردية والمؤسسية والمجتمعية الناشئة عن التفاعل الديناميكي بين العقل والعلم والفكر والبيانات والمعلومات والاتصالات والتكنولوجيا والمهارات الفردية والجمعية والمتأتية عن توظيف كل ذلك في العملية الانتاجية من سلع وخدمات وأفكار ومعارف وفي إطار من التشابكات الأفقية والعمودية العميقة” (بدران، 2014).

وبالتالي فإن المعرفة ليست مجرد إطلاع فحسب، بل هي سلسلة كاملة من الإمكانات والبيانات المجملة القابلة للتوظيف حسب مجالها للحصول على منتجات تنموية في مختلف المجالات. وهذا يفسر بكل وضوح كيف أن بلدانا فقيرة في مواردها الطبيعية غنية في مواردها المعرفية مثل اليابان وسويسرا والدنمارك وسنغافورة أصبحت من أغنى الدول في العالم والأعلى من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (بدران، 2014).

في وقتنا المعاصر المعرفة والتقدم العلمي قد اصبحت من المسلمات في المجتمعات المتقدمة، حيث تنفق الملايين من الأموال للتطوير والبحث العلمي سنوياً، وهذا ملاحظ في السنوات الأخيرة من التطور الهائل والمتسارع في تقنية المعلومات والاتصالات التي لم تتمتع بها البشرية من قبل مئة سنة؛ فالسمة العلمية للمجتمعات المتقدمة شديدة الوضوح حيث يتم إستثمار القوى البشرية في التعليم والتطوير والإنجاز المعرفي والفكري، وبالنقيض مع الأسف الإحصائات تشير الى ضعف حجم الإنفاق الحكومي في الوطن العربي على التعليم بصفة عامة بالمقارنة بالدول المتقدمة، وهذا الضعف في الإنفاق نتج عنه قلة العملية الإستيعابية للطلاب وخصوصاً بالنسبة لطلاب التعليم العالي؛ فمن المشاهد عدم مواكبة المؤسسات التعليمية في الدول النامية بالمقارنة مع التطورات الحديثة في طرق ووسائل التعليم في الدول المتقدمة. إن ضعف الإنفاق على المؤسسات التعليمية يؤدي إلى تدني المستوي العام للجامعات، فمثلاً من الملاحظ تدني مستوى الجامعات العربية بصفة عامة، والذي يظهر من خلال ترتيبها عالمياً وفق المعايير العالمية المخصصة لتصنيف الجامعات دولياً، مما يدل على ضعف مخرجات تلك الجامعات علي مستوي الطالب الخريج والباحث الأكاديمي.

ما الذي يوصى به في هذا الصدد؟

بالتأكيد هنالك العديد من التوصيات والمجالات التي بإمكان الدول النامية من الرقي ومواكبة التطور، ونذكر منها:

– وضع خطط واستراتيجيات مناسبة من قبل الحكومات لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية سواء كانت سياسية، إقتصادية، أو إجتماعية.

– العمل على تشجيع الافراد للإتحاق بالتعليم من خلال خلق برامج تعليمية مناسبة لكل الفئات وزيادة معدل الإنفاق عليها.

– تجهيز ميزانية مناسبة للتعليم والبحث العلمي وإجراء دراسات مقارنة مع الدول النامية التي أصبحت من الدول المتقدمة في العقود القريبة.

– توفير الإمكانات والبيئة المناسبة للتعليم العالي والبحث العلمي..

– الإهتمام بتنمية الأفراد عن طريق رفع مستوي التنمية البشرية بحيث تتناسب مع تطلعات الشعوب ومواكبة التطور العلمي في هذا المجال.

– إجراء المزيد من البحوث في مجال التطوير العلمي وإنشاء مؤسسات مختصة تواكب اخر التطورات العليمية بحيث يكون لديها إتصال مباشر مع المؤسسات العليمية البحثية والمهتمة بعلوم التطوير والمعرفة.

 

المراجع:

ابراهيم بدران، 2014. التعليم العالي والبحث والتطوير والإبداع في مجتمع المعرفة. عمان.

طارق عبد االله تيراب و عبد العظيم سليمان المهل، 2013. جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا – كلية الدراسات التجارية. ولاية جنوب دارفور – نيالا.

التعليقات